خليل الصفدي
423
تحفة ذوي الألباب فيمن حكم بدمشق من الخلفاء والملوك والنواب
وكان فيه دين وحياء وكرم مفرط . قال شيخنا شمس الدين الذهبي : لم يسمع بعد البرامكة بمن أعطى عطاءه ولا فعل فعله ، إلا أنه كان منهمكا على الخمر والملاهي . وكان مليح الشكل وافر الشجاعة ، لم تكسر له راية قطّ ، يحب الصالحين ويزورهم . ويجيز الشعراء الجوائز السنيّة ، ولا يفارق باب القلعة في شهر رمضان . ويخرج منها صحون الحلوى إلى الفقراء . وكان ذكيا يشارك في الصنائع ، وكان قد فرّق البلاد . وأعتق مائتي نفس من مملوك وجارية ، ووقف دار فرخ شاه المعروفة بدار السعادة « 1 » وبستان النيرب « 2 » على ابنته ، وأوصى لها [ 158 ب ] بجميع الجوهر . وقد غشي عليه إلى أن ظنّوه مات ، وجاءوا به من النيرب إلى القلعة وأوصى أن يكفّن في إزار عتيق . وقال : هذا يكون على جسدي أتّقي به نار جهنم . فإنّ صاحبه كان حبشيا من الأبدال « 3 » ، قال لي : أحرمت فيه عشرين حجّة . وكان مقيما بجبل الرّها « 4 » مدة يزرع قطعة أرض زعفرانا ويتقوّت منه . وكنت أزوره وأعرض عليه الذّهب ، فما قبل مني شيئا . ودفن بالقلعة ، ونقل
--> ( 1 ) دار السعادة : دار أيوبية تقع في مكان جامع سوق الأحمدية ( التكية الأحمدية ) . من سوق الحميدية اليوم . وكانت دارا للملك الأمجد الأيوبي صاحب بعلبك . ثم أصبحت في العهد المملوكي مقرا لنواب دمشق ( إعلام الورى ص 8 ج 2 ) وجاء في ولاة دمشق ص 38 أنها عرفت أولا بدار فرخ شاه بن شاهنشاه بن أيوب ، ثم انتقلت إلى ابنه الملك الأمجد ( انظر مخطط دمشق للمنجد رقم 49 - 50 والنجوم الزاهرة 11 / 257 - ح 1 ) . ( 2 ) بستان النيرب : قال ياقوت الحموي : النيرب قرية مشهورة بدمشق على نصف فرسخ ، في وسط البساتين أنزه موضع رأيته ( معجم البلدان 5 / 330 ) . وقال الشيخ دهمان : هي محلة كانت عامرة بالسكان ، تلي الربوة من جهة دمشق ( أي غرب دمشق ) ( تاريخ الصالحية ص 27 - 31 ) وذكرها أبو المطاع وجيه الدولة بن حمدان في شعره وسماها النيربين . ( 3 ) الأبدال : جمع بدل ، وهو من اصطلاحات الصوفية . تقدم في حواشي ص 383 حاشية ( 2 ) . ( 4 ) تقدم الكلام عنها في ص 379 حاشية ( 4 ) .